Yahoo!

سؤال في الليل

كتبها مجدي السماك ، في 30 تموز 2009 الساعة: 18:09 م


Normal
0

false
false
false

MicrosoftInternetExplorer4

/* Style Definitions */
table.MsoNormalTable
{mso-style-name:”جدول عادي”;
mso-tstyle-rowband-size:0;
mso-tstyle-colband-size:0;
mso-style-noshow:yes;
mso-style-parent:”";
mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt;
mso-para-margin:0cm;
mso-para-margin-bottom:.0001pt;
mso-pagination:widow-orphan;
font-size:10.0pt;
font-family:”Times New Roman”;
mso-ansi-language:#0400;
mso-fareast-language:#0400;
mso-bidi-language:#0400;}

سؤال في الليل

بقلم: مجدي السماك

القرية يلفها ظلام. الدنيا صقعت. الضوء الوحيد كان خافتا ينسل من نار ما فتئت تهس وسط دخان. فوق النار إبريق فيه شاي راح يئز. دخان رمادي ينتشر، فتحمّر له عيون رابضة في رؤوس بالتعب تنوء. أفواه سعلت، صدور خشخشت وإلى الأمام انحنت وتثاقلت وهي تميل. واستمرت النار تهس والإبريق يئز وينفث بخاره حتى انصب في أكواب، وكان يقرقر وهو ينصب. وساد صمت عصيب.

ثم في مجلسها راحت أجساد تتقلقل، وأفواه فغرت ونشطت فيها الألسنة ثم للكلام تأهبت. بعض ردّ ظهره إلى الحائط ومدّ ساقيه وتنهد وهو يمدها.. بعض ظل متربعا. أجساد ما زال فيها إعياء مزمن وشقاء عصي لا يفتر. وجوه نحيلة مكوية بالموت قد اختلط في سمرتها الدخان بالغبار والظلام فغمقت.. فبدت كأنما قطعت الظلام بظلام أغمق لا ينحسر. ارتفعت الأذرع لمّا الأكواب دارت وبكسل تناولتها الأكف، والأصابع حولها التفت.. ودارت معها كلمات عفوية نمت وترعرعت إلى تعليقات وهي تنساب شجية فيها دفء حزين من أفواه إلى آذان. وصار دفء بخار الشاي في الأكواب يلفح وجوههم وهم يرشفون ليغريهم ويمدهم بكلام أكثر، كلام حزين يتحرر من صدورهم ليذاع مقبوضا كصمتهم فيه قسوة حين يشيع. وواحد منهم كان جالسا بعيدا عن النار يلوذ بالصمت وبه يعتصم.. ويمص أصابعه التي لسعها الشاي وهو يحاول انتشال لقمة خبز سقطت في قاع الكوب. وأقربهم إلى النار كان يقلّبها بعود سميك، وظل مرة ينفخ ومرات يهف عليها بذيل سترته الطويلة الملطخة بالسخام، ويفرك عينين دامعتين من دخان غزير يتصاعد ويتلوى وهو يسيح في ثنايا ليل شجي. ثم يضيف بلا تذمر ما يلملمه من عيدان حطب إلى النار كي تكفي إلى آخر السهرة.    

ولمّا الأكواب شربت، جرّ الكلام كلاما فدفقت تعقيبات راحت تتلى وعلت وهي تتوالى..                                                                    

- الله يرحمك يا حاج كنعان.. ويجعل قبرك واسعا مثل ملعب كرة القدم.. ليس كثيرا عليه.

- كان رجلا أصيلا.. ربنا يجعل قبره مثل بركة السباحة.. فيه طراوة.. إنه يستحق كل خير.

- دنيا.. رحمة الله عليه.. كان شهما.. سوف يبيض وجوهنا بين جميع الأموات.

- الحاج كنعان مات يا أولاد.. الله يرحمه.. سوف يرفع رأسنا في القبر.

- ربنا يبحبح قبره.. ويرحمه.. كان شجاعا.. مهيب الجانب.

- لو أني اعرف أين قبره؟ سأرش عليه مياه معدنية أو حتى مفلترة.. ليس خسارة فيه.

وقطع التعقيبات أبو شعبان، الذي يسرح كل يوم في الأسواق ليبيع الصابون على عربة صغيرة، ثم في المساء يؤوب إلى بيته وقد فتّ جسده إرهاق ممض. انتفض أبو شعبان في الحال، وهاج كمن سكب عليه ماء مغليا وراح يغرق المكان بضجّة لم يكن يتوقعها أحد من الساهرين، وصار يلّوح بيدين مفلطحتين فيهما شقوق كل شق منها يكفي لابتلاع خيارة، وأوشك متن كفه أن يصفع وجه المتربع إلى جواره وهو يلوّح ويصيح..

- يا ناس حرام عليكم. الحاج كنعان لم يمت. اقسم برب الكعبة لم يمت. حدا منكم سمع عن جنازته أو مشى فيها؟. هذه إشاعات، والله العظيم إشاعات. عيب عليكم والله عيب. هذا لا يرضي ربنا ولا يرضي عبيده.

وأيده في كلامه واحد من الجالسين في الجهة المقابلة وهو أبو جميل العربجي حين سأل.. هوّ يا ناس في ميت بلا جنازة؟. وراح في الحال يسانده في سؤاله أبو محمود الشحاذ الذي كان أيام زمان يعمل مغنيا في الأفراح.. ولمّا الزمن عليه جار صار يقف طوال اليوم قرب السوق يمد يده ليستجدي المارة، وبسخاء يدعو لهم وللأغنياء منهم بكثرة المال ولا يدعو لنفسه ولا حتى بدرهم واحد.. جزم إنه ذهب إلى المقبرة ولم ير فيها أي قبر جديد.. إذن يا جماعة لا يوجد أي ميت طازج.. حد الله ما بيني وبينكم. لماذا لا تسألوا أبا صبري؟

وارتفع صوت خشن يشبه الطرق على برميل فارغ فيه بحة كئيبة، ليقول في سخرية لاذعة ويؤكد أن المرحوم مات ثم غير رأيه لأن القبر كان ضيقا، والمرحوم طوال حياته يحب البراح. ثم تابع في جد كبير كسا ملامح

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

اقتباس

كتبها مجدي السماك ، في 15 كانون الثاني 2008 الساعة: 23:06 م

" اذهب إليك ، فأنت أوسع من بلاد الناس وأنت أوسع من فضاء المقصلة " محمود درويش .

" نسيت أن أموت كما يموت الناس فبقيت في الدنيا موزع بين الشوارع القريبة والبعيدة ومقتول بالوطن و بالعشق وبالحنين .. فأنا أول مقت

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

معركة في الخليل

كتبها مجدي السماك ، في 30 تموز 2009 الساعة: 18:22 م

Normal
0

false
false
false

MicrosoftInternetExplorer4

/* Style Definitions */
table.MsoNormalTable
{mso-style-name:”جدول عادي”;
mso-tstyle-rowband-size:0;
mso-tstyle-colband-size:0;
mso-style-noshow:yes;
mso-style-parent:”";
mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt;
mso-para-margin:0cm;
mso-para-margin-bottom:.0001pt;
mso-pagination:widow-orphan;
font-size:10.0pt;
font-family:”Times New Roman”;
mso-ansi-language:#0400;
mso-fareast-language:#0400;
mso-bidi-language:#0400;}

معركة في الخليل

بقلم : مجدي السماك

في مدينة الخليل، ليس بعيدا عن الحرم الإبراهيمي.. بينما كان عبد الرحيم الفلاح الشاب البسيط واقفا قرب نافذة غرفة المعيشة،المطلة على حديقة منزله الموروث عن أبيه.. يحاول بأنف متأهب استنشاق أكبر قدر ممكن من رائحة ورود القرنفل الفائحة بإغراء شهي، وقد كانت تتدفق بعذوبة باذخة عبر النافذة المفتوحة على آخرها كفم إنسان يتثاءب في كسل هادئ وديع.. مدّ عبد الرحيم رقبته كما الإوزة، وأخرج رأسه بكاملها ودلاها إلى أسفل تحت شمس ساخطة كانت تنظر إليه بغضب جامح، وتحط أشعتها بعصبية على شعر ناعم ناصع السواد وقصير، وبقسوة أخذت تنقر أذنيه وصفعت قفاه الرفيع الخمري. ثم بدأ بشغف يقرب أرنبة أنفه العريض من ورود تحملها فروع تطاولت أغصانها بإسهاب، ليشم بنهم أكبر عبيرها الغزير المنساب في سطوع يدغدغ الخياشيم.. مستحوذا على معظم الرائحة، باذلا أقصى جهده لئلا يفلت شذاها ويبتعد عن طاقتي أنفه الواسعتين.. وترك جسده مقوسا في الداخل.

وظل عبد الرحيم في وضعه هذا يشم ويستنشق حتى هدر أنفه وفرقع بعطسة شديدة طيرت الحمام عن أغصان شجرة الأكاسيا المنتصبة في آخر أطراف الحديقة. وقبل أن ينتهي من حمده لله لأن روحه لم تطلع، ولم يقف قلبه مع قوة عطسته الشديدة المدوية.. لحظتها سمع صراخ ابنته الصغيرة وقد أفزعتها الفرقعة.. والتفت عبد الرحيم وهو يمسح أنفه بمنديل كرمشه في جيبه، فرأى زوجته تهب لتلتقط صغيرتها وتسحبها من تحت الطبلية، حيث اعتادت أن تحشر جسدها الطري لاهية عن الدنيا ومن فيها.. واحتضنتها، وطبطبت عليها.. ومع هذا دشن فمها أول ابتسامة مكتملة التكوين تألقت في شفتيها منذ الأمس.. وبان نابها الناصع البياض النافر عن بقية الأسنان.. واستمرت تهدهد وتطبطب حتى هدأتها.. فسكتت.. وعادت الدنيا إلى سجاها.

وبينما كان عبد الرحيم في وضعه هذا لاهيا عن زوجته وابنته بالشم والاستنشاق والعطس.. رن جرس الباب.. رنات عصبية فيها شوشرة تضجر الأعصاب وتنفرها..

حدق عبد الرحيم من هنا، ومط شفتيه ورفع حاجبين كثين وعوج فمه، وكان له حاجب أعلى من حاجب، ثم حدق من هناك.. وأسرع يفتح الباب. وبعد أن فتحه ظل باهتا للحظات ينظر كالخياطين من فوق إلى تحت يعاين جسد القادم كأنما يريد أن يفصل له بذله. وكان القادم جاره اليهودي الساكن في المستوطنة المحاذية، والذي له حديقة ملاصقة لحديقة عبد الرحيم.. في سياج مشترك.

ثم بدد اليهودي المستوطن ثقل الصمت حين فاه مسفسطا بلغة عربية مشروخة فيها شقوق وخروق..

- ما ينفع.. أن تعطس وتطير الحمام والعصافير من حديقتي.. هذا إزعاج كبير.

- أنا يا خواجة عطست في بيتي.. في حديقتي.. لم اعطس عندك.. أنا حر.

- اعطس على مهل.. بالراحة.. عطستك مثل القنبلة.. بم بم بم.. طيرت الحمام.. العصافير خافت.

- الله خلقني هكذا.. لا استطيع التحكم بالعطسة.. ربما أصابني زكام.

وسادت لحظة صمت واسع احتبست فيها الأنفاس الساخنة في صدر عبد الرحيم وسمطت رئتيه، ولم يستطع زفرها مرة وا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

لا بد أن تنتهي

كتبها مجدي السماك ، في 30 تموز 2009 الساعة: 18:19 م

Normal
0

false
false
false

MicrosoftInternetExplorer4

/* Style Definitions */
table.MsoNormalTable
{mso-style-name:”جدول عادي”;
mso-tstyle-rowband-size:0;
mso-tstyle-colband-size:0;
mso-style-noshow:yes;
mso-style-parent:”";
mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt;
mso-para-margin:0cm;
mso-para-margin-bottom:.0001pt;
mso-pagination:widow-orphan;
font-size:10.0pt;
font-family:”Times New Roman”;
mso-ansi-language:#0400;
mso-fareast-language:#0400;
mso-bidi-language:#0400;}

لا بد أن تنتهي

بقلم: مجدي السماك

صديقي علاء

ها أنا اكتب إليك الآن بالذات بعد يوم واحد فقط من انتهاء الحرب.. وغزة كلها منكوبة. وأنت، أو بالأحرى جثتك لا زالت في ثلاجة الموتى. ريثما يعثروا على أي أحد من أقاربك ليستلمها. وأنا أيضا في شغف لاذع أنتظر كي أمشي في جنازتك.. وقد تسمح لي صحتي، التي تدهورت بسبب قنابل الفسفور في آخر أيام الحرب، أن أشارك في حمل نعشك.

قلت لكبير الأطباء أنك صديق عمري.. لكنه رفض أن أستلمك. لم استطع العثور على أي شخص من أقاربك لأنهم مدفونون مع عفش بيوتهم تحت الركام.. ولم يتم انتشالهم بعد.. ولا أعرف إذا كان لا يزال أي شخص منهم على قيد الحياة.. وكل ما سمح به لي كبير الأطباء هو أن انظر إلى رأسك في الثلاجة.. كان وجهك يضحك ضحكة لا محالة سيحسدك عليها الأحياء أمثالي لو رأوك، شاهدت منظرك كأنك تأخذ قسطا من الموت.. الغريب أنني لا أعرف ما الذي يضحكك وأنت ميت؟ وأشلاؤك ملفوفة بقماش ملطخ بدمك تبرع به فاعل خير من أثرياء العرب، بإمكانك أن تشكره كي لا يقولوا أنك ناكر للجميل. شعرت وأنا أنظر إلى وجهك أنك تسخر مني.. أو ربما أنك تعيرني مازحا كعادتك، لأنني لا أزال على قيد الحياة. هل نسيت كيف كنت تعيرني وتسخر مني عندما كنّا نتراهن على حل مسألة عويصة من مسائل الشطرنج، وحين كنت أنا أفشل في حل مسألة ما وتنجح أنت في حلها.. كنت تفرح كأنك حللت لغز الموت أو أدركت سر الحياة.. ها أنا أحس الآن أنك مت لتزيد من قيمة حياتك، فهذه رغبتك.. أنتم الموتى فريدون في عاداتكم وتفكيركم.. كل شيء عندكم تزيد قيمته وأهميته عندما تموتون. حتى عندما كنت أنجح أنا في حل مسألة عويصة جدا في الشطرنج فأكسب الرهان.. وتفشل أنت في حلها.. كنت أيضا تعيرني على نجاحي وتسخر مني، ثم تغرق بعد هذا في ضحك يتفجر به صدرك، بعدها تفتخر بفشلك وتعتز.. كأنك بموتك الآن تسخر من حياتي ومن قدري.. بل من الأقدار.

لكن بعد هذا أقول أن موتك في كل ل

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الضعيف

كتبها مجدي السماك ، في 30 تموز 2009 الساعة: 18:17 م

Normal
0

false
false
false

MicrosoftInternetExplorer4

/* Style Definitions */
table.MsoNormalTable
{mso-style-name:”جدول عادي”;
mso-tstyle-rowband-size:0;
mso-tstyle-colband-size:0;
mso-style-noshow:yes;
mso-style-parent:”";
mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt;
mso-para-margin:0cm;
mso-para-margin-bottom:.0001pt;
mso-pagination:widow-orphan;
font-size:10.0pt;
font-family:”Times New Roman”;
mso-ansi-language:#0400;
mso-fareast-language:#0400;
mso-bidi-language:#0400;}

الضعيف

بقلم : مجدي السماك

الأولاد كبروا يا إسماعيل والمصاريف زادت. حتى البنت الصغيرة ربنا يهدّها طالعة مثل أمها ولا يهدأ بالها إلا بعد أن تلتهم في كل يوم حبتين بوظة. والولد الأوسط عبيط وأهبل، والأدهى من هذا أنه عامل فيها كابتن كرة قدم وفكر نفسه رونالدينيو، وساق فيها وصدق أنه لعيب.. أبوات وفانلات وتدريب ومسخرة وكلام فارغ. والولد الكبير الله لا يكسبه طول النهار يتسكع في الشوارع مع الساقطين مثله لرابع مرة في الثانوية العامة، ولم تسلم أي بنت في الحارة من مماحكتهم ومعاكستهم، ووصل الأمر بالولد إلى معاكسة البنت العانس التي وجهها عريض كالكانون المقلوب، وجسدها الكبير مكعبر مثل الفقمة، الساكنة في منتصف الشارع قرب النادي، وتعودت خصيصا أن تنشر الغسيل في الشرفة مفرعة شعرها وتبادله النظرات في غواية وفجور، وفي كل يوم على الحامي والبارد يشتري لها علبة كاملة من العلكة لتطرقعها في فمها الأوسع من المنقلة، بلا حياء ولا كسوف.. الله لا يوفقه البعيد محل ما دار وجهه، ولا يوفقها معه. ولا أمهم.. يا سلام على أمهم.. أمهم هي الأخرى مثلهم ولا تقل عنهم.. صحيح أن قلبي أحيانا يرضى عنها ويتعلق فيها.. لكن يدها مفروطة في المصاريف، ولا تحسب للزمن أي حساب، وهي التي عمرها ما ذاقت طعم اللحمة في دار أهلها صارت تشتريها بالكيلو.. أشوف فيها يوم خديجة بنت أبي يونس الطبرجي، في حدا عاقل في هذه الدنيا يفطر ملوخية.. الله يخرب بيت النسوان واليوم الذي تزوجتها فيه. طول عمره الواحد منا يشتغل ويتعب ويندهك في الحياة وأخرتها يطلع على ولا حاجة، على رأي المثل مطرح ما ولد شنقوه.. أما عيشة تقصر العمر.. قال هذه عيشة قال.. لمّا كنت في النصف الأول من عمري كنت بشوق انتظر نصفه الثاني لأرتاح واسعد، والآن صرت في النصف الثاني وقد بطحتني الدنيا فصرت أتشوق إلى نصف عمري الأول وأتحسر عليه.. على كلا  كله ماشي.. يمكن ربنا يفرجها.

وبغتة صحا العم إسماعيل من سرحته العميقة.. على نقرات ثقيلة راحت تنهال على كتفه فنقلته من داخله إلى حيث هو مصلوب في السوق، وسط زحمة لا تخف حتى مجيء الليل، وفي الحال ترحرح جلد وجهه الباهت والمائل إلى صفرة كصفرة كعك العيد.. وبالغريزة من غير ما ينظر إلى وجه الناقر فتح حنفية الوعاء الزجاجي وعبأ كوبا من الخروب البارد. ورفع الكوب ولاحقه بعينيه المعمصتين وهو يمدّ ذراعه ليقدمه إلى الشاب الذي نقر كتفه، وأوشك أن يبتسم وهو يناوله ويقول بصوت ليّن فيه طيبة المسحوقين في غزة تفضل يا بني.. في ألهناء والشفاء.

لكن الشاب المتجهم وجهه ظل واقفا مثل الشحط ولم يتناول الكوب.. وبقسوة لاذعة كوخز المسلّة طلب من العم إسماعيل أن يجر عربته ويبتعد عن باب دكانه..

- اذهب بعربتك إلى أي مكان آخر.. هنا باب رزق وأكل عيش.. فكرها فوضى.

- اشتر مني هذا الكوب لأنني صبيته.. خليني استفتح يا بني.. أنا معي ضغط وسكّري.

- ما عندي نفس أشرب من خروبك البايت.. هو الشراء بالغصب.. أما مسخرة.

- والله إنه طازج يا بني.. أنا عملته اليوم بنفسي.. من صباحية ربنا وأنا أجهز فيه.

وجمع العم إسماعيل كل الضعف المدخر في جسده النحيل المعلول، بينما راحت أسراب الشرر تتطاير من صدره وتتناثر لتكمل انتشارها مع الشمس السخنة التي كانت تنهمر عليه بسخاء لا يرحم، والتي كانت تعذبه وهي تنشب أشعتها وتغرزها في وجهه الذي تدهورت ملامحه واندّكت تقاسيمه على ما فيها من دمامل وغضون، وبعدما سلق

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ذكريات في ركام

كتبها مجدي السماك ، في 30 تموز 2009 الساعة: 18:13 م

Normal
0

false
false
false

MicrosoftInternetExplorer4

/* Style Definitions */
table.MsoNormalTable
{mso-style-name:”جدول عادي”;
mso-tstyle-rowband-size:0;
mso-tstyle-colband-size:0;
mso-style-noshow:yes;
mso-style-parent:”";
mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt;
mso-para-margin:0cm;
mso-para-margin-bottom:.0001pt;
mso-pagination:widow-orphan;
font-size:10.0pt;
font-family:”Times New Roman”;
mso-ansi-language:#0400;
mso-fareast-language:#0400;
mso-bidi-language:#0400;}

الدكتور عاموس

بقلم : مجدي السماك

في آخر ساعة دوام كانت شلالات الغبطة تنحدر بشدة فتغمر قلب الدكتور عاموس، وتبلل ابتسامة ناعمة نضجت منذ قليل كانت تتهادى وهي تموج على طول فمه.

ولم يتوقف الأمر بالدكتور عند هذا الحد، ففي لحظة الحظ تلك التي لا يعرف كيف ملصت خلسة من قبضة النحس، وأشعرته أنه يعيش في أمتع لحظات حياته.. تذكر نكتة جميلة كان قد سمعها عن العرب بعد انتهاء الحرب على غزة، فأخرجت فمه عن نطاق سيطرته.. وفرقع ضحكة لعلعت في جو المكتب وكادت أن توقعه عن الكرسي، لكنه لم يقع.. واستمر لوقت غير قليل ميتا من الضحك كأن أحدا يزغزغه أو يحك له على جرب. ثم عدّل الدكتور جلسته وهو لا يزال يضغط على نفسه ليغالب فمه وضحكته معا، خشية أن يكبس عليه أحد فجأة ويمسكه مقهقها لوحده فيفضحه بين الدكاترة والموظفين.. فارتد بظهره إلى الوراء والصقه تماما بظهر الكرسي، وأمال رأسه وركزه إلى أقرب مكان يصله قفاه قبل قمة المسند، لأن الدكتور قصير بالكاد يبلغ ثلثي طول رجل عادي، وبجلسته هذه صار فمه مصوبا بدقة نحو ساعة الحائط في الجهة المقابلة، وما زال فيه بقية ضحك اخفق في كتمه.

وأكثر ما كان يغبط  الدكتور عاموس حينها ويبهج قلبه أن غدا هو أول أيام إجازته السنوية، التي انتظرها بشوق كبير وصبر طويل لا يفرغ، كشوق وصبر طفل عربي للعيد الذي يجيء بعد رمضان. وفوق هذا كله فإن اليوم هو عيد ميلاده، وزوجته تنتظر وتتفتت وقد أضناها طول الانتظار، ولهذا تلفنت عليه منذ الصبح مرات ومرات.

ثم بطرف أنفه الطويل الذي في وسطه مطب أومأ الدكتور عاموس إلى البواب، الذي جلب لتوه كوبا ساخنا من الشاي الخفيف بالنعناع، أن يغلق الباب وراءه وهو خارج.

وبدأ الدكتور عاموس يرشف الشاي وراح يترنم وهو يتلذذ طعمه وسخونته، وقد أعجبته نكهة النعناع التي تعلمها من العرب قبل سنين طوال، واستطعمها بمزاج هادئ وأحسها وهي تسري دافئة في حلقه تلّينه وتلطفه، بعد هذا تنساب بنعومة وتنزل على قلبه لتحييه. ثم لم يجد الدكتور مانعا وهو مرتاح مستلذ من ضحكة خفيفة دسها بسرعة خاطفة بين رشفتين، دون أن يلمحه أحد.

لكن حصلت مشكلة صغيرة لم تخطر أبدا إلى البال، عكّرت مزاج الدكتور عاموس وأنزلته من جنات بهجته.. حين كان سارحا يستحلب حلاوة ماضيه وحاضره وغده.. وفي نفس الوقت كان يتسمع إلى طرقات منغمة لها رتابة تتوق لها نفسه، تحدثها نقرات الأحذية وهي تغدوا وتروح وتخفت أحيانا مبتعدة في الممر، وأحيانا تقترب وتعلو وينسكب نقيقها على أذنيه في ضوضاء مخنوقة ولذيذة.. في هذه اللحظة اقتحم الباب واجتاح مكتبه جسد ضخم يجري ويدب مثل الفيل، وكل ما فيه من كومات لحم ودهن كانت ترّج، هو الممرض مردخاي.. الذي اندفع يجأر بصوت خشن هو إلى الخوار اقرب..

- دكتور.. بلا مؤاخذة.. مصيبة.. أنا وأنت رحنا في ألف داهية.

انتفض الدكتور في مجلسه وأدار بسرعة رأسه ليقلع ببصره نحو القادم والعاصفة التي أثارها، وانقبضت خدوده ثم تشنجت، وسحلت نظارته وتجاوزت المطب وكادت تسقط  لولا أنها علقت بطرف أنفه المعقوف.. ثم وقبل أن يهضم صدمته وكان لحظتها لا يزال متلفعا بدهشة مريبة.. دمدم صائحا..

- لمستني.. طربتني.. يا راجل أرعبتني.. مالك.. إئيش فيه.

وقبل أن ينطق الممرض مردخاي بأي حرف، راح بيد مرتعشة كعادته في الأوقات العصيبة يحسس على صلعته الأنعم من ورق الدوالي، وكانت حينئذ تفج بحمرة فاقعة، وقد رشحت بعرق غزير، فبدت كأنما انصب عليها قنينة بأكملها من عصير الفراولة عالية التركيز.. وقال بصوت خشن متقطع شارك في تشكيل نبرته الدهن الكثير المتدلي من صدغيه المنفوخين مثل الرغيف المخبوز..                                                      - في واحد مجنون هرب من العنبر..عنبر رقم ثلاثة يا دكتور.

- عنبر رقم ثلاثة؟ من هو هذا المجنون الذي جرؤ على الهرب؟

- المجنون رقم 1948.. واسمه يكوب يا دكتور.. انخرب بيتنا.

- يكوب؟ رحنا في ألف داهية.. انخرب بيتك يا عاموس.. كيف هرب؟

 - أصل في واحد من العاملين نسي الباب مفتوحا.

 - الباب! والله ضعت يا عاموس واللي كان كان.

أحس الدكتور عاموس بطوق حديدي يضيق حول رقبته ليخنقه، ففك ربطة عنقه في حنق زائد وأبقاها مفكوكة خشية أن تطلع روحه ويفطس، وزادت حمرة وجهه وهو يشيط ويغلي، ولو وضعت حينئذ على خده طرف سيجارة فمن المؤكد أنها ستولع. حتى إن أعصابه لم تحتمل اهتزاز الطاولة بسبب ملامستها كرش الممرض مردخاي الذي كان واقفا يرجف من الخوف، فصرخ الدكتور وراح يفرغ جام غضبه وقد سلط كل صراخه على وجه مردخاي، وهو يطلب منه إبعاد كرشه عن حافة الطاولة.. بعدها قرعه بنظرة طويلة وثقيلة. 

ثم بغضب أكبر قام الدكتور عن كرسيه وراح يرمي بصره الزائغ عبر النافذة إلى الخارج، وسقط قلبه عندما شاهد المجنون يكوب في الباحة الواسعة هائجا مثل الزوبعة. وقد هجم عليه ما يقارب عشرة من العاملين الشديدين والممرضين للإمساك به، وكان في هجومهم جد وتصميم على إرجاعه إلى العنبر.. واندلعت معركة.

هجم عليهم المجنون يكوب الذي رقمه1948بمؤخرته الضخمة، ونطحهم بها نطحة قوية لا تهاون فيها ولا استهتار، فأوقع فيهم إصابات مباشرة، وقد ارتطموا بأعمدة البطون والحديد.. ويكوب اللهم لا حسد له مؤخرة متينة مثل الفولاذ، رغم أنها منفوشة.. وبلغ عدد المصابين ستة أشخاص، وإصابة كل واحد منهم كانت مختلفة ومتفاوتة عن إصابة الآخر، وكان احدهم إصابته خطيرة وما زال يرقد في غرفة الإنعاش فاقدا الوعي إلى الآن. ثم بعد هذا بسرعة هجم على الآخرين.. وركل اثنين منهم وكاد يفسخهم بقدمه المبططة مثل الوسادة. وليس هذا فقط.. إنما استل أسنانه وعض واحدا منهم عضة من عضاته التي لا تخيب وغرز أسنانه في فخذه، فمزقه و طلع هبره كبيرة من لحمه قد تزن نص

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الدكتور عاموس

كتبها مجدي السماك ، في 30 تموز 2009 الساعة: 18:12 م

Normal
0

false
false
false

MicrosoftInternetExplorer4

/* Style Definitions */
table.MsoNormalTable
{mso-style-name:”جدول عادي”;
mso-tstyle-rowband-size:0;
mso-tstyle-colband-size:0;
mso-style-noshow:yes;
mso-style-parent:”";
mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt;
mso-para-margin:0cm;
mso-para-margin-bottom:.0001pt;
mso-pagination:widow-orphan;
font-size:10.0pt;
font-family:”Times New Roman”;
mso-ansi-language:#0400;
mso-fareast-language:#0400;
mso-bidi-language:#0400;}

الدكتور عاموس

بقلم : مجدي السماك

في آخر ساعة دوام كانت شلالات الغبطة تنحدر بشدة فتغمر قلب الدكتور عاموس، وتبلل ابتسامة ناعمة نضجت منذ قليل كانت تتهادى وهي تموج على طول فمه.

ولم يتوقف الأمر بالدكتور عند هذا الحد، ففي لحظة الحظ تلك التي لا يعرف كيف ملصت خلسة من قبضة النحس، وأشعرته أنه يعيش في أمتع لحظات حياته.. تذكر نكتة جميلة كان قد سمعها عن العرب بعد انتهاء الحرب على غزة، فأخرجت فمه عن نطاق سيطرته.. وفرقع ضحكة لعلعت في جو المكتب وكادت أن توقعه عن الكرسي، لكنه لم يقع.. واستمر لوقت غير قليل ميتا من الضحك كأن أحدا يزغزغه أو يحك له على جرب. ثم عدّل الدكتور جلسته وهو لا يزال يضغط على نفسه ليغالب فمه وضحكته معا، خشية أن يكبس عليه أحد فجأة ويمسكه مقهقها لوحده فيفضحه بين الدكاترة والموظفين.. فارتد بظهره إلى الوراء والصقه تماما بظهر الكرسي، وأمال رأسه وركزه إلى أقرب مكان يصله قفاه قبل قمة المسند، لأن الدكتور قصير بالكاد يبلغ ثلثي طول رجل عادي، وبجلسته هذه صار فمه مصوبا بدقة نحو ساعة الحائط في الجهة المقابلة، وما زال فيه بقية ضحك اخفق في كتمه.

وأكثر ما كان يغبط  الدكتور عاموس حينها ويبهج قلبه أن غدا هو أول أيام إجازته السنوية، التي انتظرها بشوق كبير وصبر طويل لا يفرغ، كشوق وصبر طفل عربي للعيد الذي يجيء بعد رمضان. وفوق هذا كله فإن اليوم هو عيد ميلاده، وزوجته تنتظر وتتفتت وقد أضناها طول الانتظار، ولهذا تلفنت عليه منذ الصبح مرات ومرات.

ثم بطرف أنفه الطويل الذي في وسطه مطب أومأ الدكتور عاموس إلى البواب، الذي جلب لتوه كوبا ساخنا من الشاي الخفيف بالنعناع، أن يغلق الباب وراءه وهو خارج.

وبدأ الدكتور عاموس يرشف الشاي وراح يترنم وهو يتلذذ طعمه وسخونته، وقد أعجبته نكهة النعناع التي تعلمها من العرب قبل سنين طوال، واستطعمها بمزاج هادئ وأحسها وهي تسري دافئة في حلقه تلّينه وتلطفه، بعد هذا تنساب بنعومة وتنزل على قلبه لتحييه. ثم لم يجد الدكتور مانعا وهو مرتاح مستلذ من ضحكة خفيفة دسها بسرعة خاطفة بين رشفتين، دون أن يلمحه أحد.

لكن حصلت مشكلة صغيرة لم تخطر أبدا إلى البال، عكّرت مزاج الدكتور عاموس وأنزلته من جنات بهجته.. حين كان سارحا يستحلب حلاوة ماضيه وحاضره وغده.. وفي نفس الوقت كان يتسمع إلى طرقات منغمة لها رتابة تتوق لها نفسه، تحدثها نقرات الأحذية وهي تغدوا وتروح وتخفت أحيانا مبتعدة في الممر، وأحيانا تقترب وتعلو وينسكب نقيقها على أذنيه في ضوضاء مخنوقة ولذيذة.. في هذه اللحظة اقتحم الباب واجتاح مكتبه جسد ضخم يجري ويدب مثل الفيل، وكل ما فيه من كومات لحم ودهن كانت ترّج، هو الممرض مردخاي.. الذي اندفع يجأر بصوت خشن هو إلى الخوار اقرب..

- دكتور.. بلا مؤاخذة.. مصيبة.. أنا وأنت رحنا في ألف داهية.

انتفض الدكتور في مجلسه وأدار بسرعة رأسه ليقلع ببصره نحو القادم والعاصفة التي أثارها، وانقبضت خدوده ثم تشنجت، وسحلت نظارته وتجاوزت المطب وكادت تسقط  لولا أنها علقت بطرف أنفه المعقوف.. ثم وقبل أن يهضم صدمته وكان لحظتها لا يزال متلفعا بدهشة مريبة.. دمدم صائحا..

- لمستني.. طربتني.. يا راجل أرعبتني.. مالك.. إئيش فيه.

وقبل أن ينطق الممرض مردخاي بأي حرف، راح بيد مرتعشة كعادته في الأوقات العصيبة يحسس على صلعته الأنعم من ورق الدوالي، وكانت حينئذ تفج بحمرة فاقعة، وقد رشحت بعرق غزير، فبدت كأنما انصب عليها قنينة بأكملها من عصير الفراولة عالية التركيز.. وقال بصوت خشن متقطع شارك في تشكيل نبرته الدهن الكثير المتدلي من صدغيه المنفوخين مثل الرغيف المخبوز..                                                      - في واحد مجنون هرب من العنبر..عنبر رقم ثلاثة يا دكتور.

- عنبر رقم ثلاثة؟ من هو هذا المجنون الذي جرؤ على الهرب؟

- المجنون رقم 1948.. واسمه يكوب يا دكتور.. انخرب بيتنا.

- يكوب؟ رحنا في ألف داهية.. انخرب بيتك يا عاموس.. كيف هرب؟

 - أصل في واحد من العاملين نسي الباب مفتوحا.

 - الباب! والله ضعت يا عاموس واللي كان كان.

أحس الدكتور عاموس بطوق حديدي يضيق حول رقبته ليخنقه، ففك ربطة عنقه في حنق زائد وأبقاها مفكوكة خشية أن تطلع روحه ويفطس، وزادت حمرة وجهه وهو يشيط ويغلي، ولو وضعت حينئذ على خده طرف سيجارة فمن المؤكد أنها ستولع. حتى إن أعصابه لم تحتمل اهتزاز الطاولة بسبب ملامستها كرش الممرض مردخاي الذي كان واقفا يرجف من الخوف، فصرخ الدكتور وراح يفرغ جام غضبه وقد سلط كل صراخه على وجه مردخاي، وهو يطلب منه إبعاد كرشه عن حافة الطاولة.. بعدها قرعه بنظرة طويلة وثقيلة. 

ثم بغضب أكبر قام الدكتور عن كرسيه وراح يرمي بصره الزائغ عبر النافذة إلى الخارج، وسقط قلبه عندما شاهد المجنون يكوب في الباحة الواسعة هائجا مثل الزوبعة. وقد هجم عليه ما يقارب عشرة من العاملين الشديدين والممرضين للإمساك به، وكان في هجومهم جد وتصميم على إرجاعه إلى العنبر.. واندلعت معركة.

هجم عليهم المجنون يكوب الذي رقمه1948بمؤخرته الضخمة، ونطحهم بها نطحة قوية لا تهاون فيها ولا استهتار، فأوقع فيهم إصابات مباشرة، وقد ارتطموا بأعمدة البطون والحديد.. ويكوب اللهم لا حسد له مؤخرة متينة مثل الفولاذ، رغم أنها منفوشة.. وبلغ عدد المصابين ستة أشخاص، وإصابة كل واحد منهم كانت مختلفة ومتفاوتة عن إصابة الآخر، وكان احدهم إصابته خطيرة وما زال يرقد في غرفة الإنعاش فاقدا الوعي إلى الآن. ثم بعد هذا بسرعة هجم على الآخرين.. وركل اثنين منهم وكاد يفسخهم بقدمه المبططة مثل الوسادة. وليس هذا فقط.. إنما استل أسنانه وعض واحدا منهم عضة من عضاته التي لا تخيب وغرز أسنانه في فخذه، فمزقه و طلع هبره كبيرة من لحمه

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

في ظلال الحرب

كتبها مجدي السماك ، في 30 تموز 2009 الساعة: 18:06 م

Normal 0 false false false MicrosoftInternetExplorer4 /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"جدول عادي"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;}

في ظلال الحرب

بقلم : مجدي السماك

اعرف تماما وهذا الأكيد الوحيد الذي أدركه أنه كان يوما حربيا ودمويا بامتياز. لم يكن بمقدوري تحديد مكاني على وجه الدقة وأنا ابحث لنفسي عن مكان آمن بين القذائف. ولكن بالتأكيد أنني كنت واقفا على أعتاب أبواب يوم القيامة. وقتها توقف لساني عن الكلام بلغة مات حاكيها ونقشت حروفها على جسد مات محترقا ومختنقا في دخان اسود، تصاعد مبثوثا من ذاكرة مهجورة، سكنتها وبعثتها كهنة آلهة الحرب القديمة، فتعاركت الذكريات مع الذكريات على أرضي أمام البحر الحي عندي.. وفي الناحية الأخرى يربض بحر ميت مسلوب المياه والملوحة ينظر إلىّ وحيدا مكفهر الوجه. وتحولت كلمات الآلهة التي تعبد الآلهة إلى شعارات انهزمت عند أول اختبار لله على جسدي. في ذلك اليوم منذ أول قصف قتل جارنا بعد الصبح.. وترك وراءه خمسة أطفال أكبرهم لؤي وأصغرهم أفنان، وزوجته.. تركهم كلهم يموتون تحت الركام.. وعلى ما يبدو ذهب هو ليموت وحده موتته المفضلة بطريقته الخاصة قرب باب منزله.. وهو يبحث في ارض الله لهم عن كسرة خبز.

في ذلك اليوم واتتني فكرة غبية جدا وصغيرة جدا ومهمة جدا.. تفوق الغباء نفسه.. كيف أعرفني إن كنت حيا أم ميتا؟ حرت.. توقفت.. تبلبلت.. فكرت.. تعذبت.. فهداني الله إلى ظلي. نعم..على الفور عرفت أن جسدي ما زال حيا وفيه فوق هذا قلب من المؤكد أنه ينبض هو قلبي، إنه لي. زاد يقيني حين رأيت بأم عيني ظلي وهو يتحرك بحرية ويتبعني.. شكرا لله.. ثبتت الرؤيا.. اكبر دليل على أنني ما زلت أتنفس ومسجل اسمي في قائمة الأحياء الموجودين المنتظرين عند حافة الموت.. وكم مرة قبل ذلك حاولت وقرصت جلدي ولكن لم أحس بي كأن حياتي توقفت دون أن ادري.

كنت يومها ل

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أيام من دماء

كتبها مجدي السماك ، في 30 تموز 2009 الساعة: 18:00 م

Normal
0

false
false
false

MicrosoftInternetExplorer4

/* Style Definitions */
table.MsoNormalTable
{mso-style-name:”جدول عادي”;
mso-tstyle-rowband-size:0;
mso-tstyle-colband-size:0;
mso-style-noshow:yes;
mso-style-parent:”";
mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt;
mso-para-margin:0cm;
mso-para-margin-bottom:.0001pt;
mso-pagination:widow-orphan;
font-size:10.0pt;
font-family:”Times New Roman”;
mso-ansi-language:#0400;
mso-fareast-language:#0400;
mso-bidi-language:#0400;}

أيام من دماء

بقلم : مجدي السماك

جمّع الحاج أيوب شجاعته وشحذها كلها في ساقيه حين راح بشبشبه يحف  درجات السلم، ببطء ، وتسلل في وهن صاعدا إلى الطابق العلوي من البيت.. يسبقه لهاثه المتقطع وهو يتكئ بإحدى يديه على عصا، وبشقيقتها اعتمد على جدار خشن غير مدهون.. و إلى جواره في صحبته كانت إحدى حفيداته التي لصغرها لا تستطيع مساعدته على المشي.

توقف الحاج أيوب للحظات يلتقط  فيها نفسه الذي تهدج، فراح يتنفس هواء ثقيلا فيه برودة معطنة لها لسعة الثلج في الأنف، وشم بلا رغبة منه رائحة الدم والموت، رائحة عبقت المكان بشدة، وبشدة كانت تنبث من بين الركام وبقوة تفوح. ثم تسمر الحاج أيوب قرب جثث ابنه وزوجته وأحفاده الصغار، الذين مزقت أجسادهم وقطعتها عصر أمس قذيفة طائرة صهيونية، اخترقت الحائط بعنف وحولتهم إلى أشلاء تطايرت، وتناثرت في البيت ورصعت فتافيتها الجدران، وبعض الفتات تناثر في الشارع عبر النوافذ التي كانت مقفولة بإحكام كبير، فكسرها الانفجار لقوته وطيّرها إلى بعيد.. ومكث الحاج أيوب ساعة أو أكثر وهو يجمع بيدين راجفتين الأشلاء شلوا بعد شلو، وشقفة وراء شقفة، وكانت تساعده زوجته التي ما زالت عيناها إلى الآن تبقبقان بالدموع. ولم يستطع مع زوجته رغم الجهد المضني الذي بذلاه في تنظيف البلاط  من الدماء، لانقطاع الماء منذ الساعة الأولى لبدء الحرب.. فبقي الدم على البلاط وتحت حطام الأثاث حتى جف بعد وقت وتجمد، كأنما تحول إلى رمز ثمين كي تدخره الذاكرة مع ما تحفظه من دماء قديمة، وتجلله القلوب.. أو ربما لينقلب إلى غصة تشتد وطأة لعناتها وتتعاظم مع الزمن في النفوس.

وأطال الحاج أيوب نظره الساهم مبحلقا إلى دمهم الذي سال بغزارة حتى نفذ منسابا من تحت الباب، وتشعب إلى سيول وبحور مالئا ردهات البيت والفناء على سعته من أقصاه إلى أقصاه.. وما زال صراخ زوجته الحاجة ونحيبها الساخن يتصاعد متدفقا إليه من الطابق السفلي، يشرخ أذنيه وهو يأخذ طريقه مندفعا إلى الشارع، إلى الحارة، إلى التاريخ.. وصار يتمنى في جد بالغ أن يكون هو الذي تمزق ومات نيابة عنهم.. أو نيابة عن غزة كلها. 

تنقل الحاج أيوب متطوحا كالمضروب على رأسه بين الركام والأثاث المدمر، حتى بلغ الفتحة الكبيرة التي في الحائط المائل الآيل للسقوط، الفتحة المطلة على الشارع المجاور في حي الزيتون والتي صنعتها القذيفة وأتقنت صنعها، ثم توقف في فتور. وفي الحال عدّل ظهره المقوّس وصعد بهدوء ووقف على حجر صغير.. وبعد أن مدّ رأسه من فضاء الفتحة، زحف بعينيه التائهتين التي قلل ما بين رموشهما إلى الشارع، حيث الفراغ ألفاضي في الواسعة الممتدة أمامه الراكدة في ذكريات طوتها عشرات السنين.. وبعد الواسعة كانت تصطف بقية بيوت الحارة تحت زرقة سماء ملتهبة بالطائرات وحممها في شموخ عزيز له مهابة الزمن الآفل، ناظرا إلى الدور المهدمة فوق جثث ساكنيها بسبب قذائف الطائرات التي كانت كالمسعورة تلقي بوجبات حممها الصاعقة على البيوت، وتهدمها في ثوان فوق رؤوس العباد وأجساد الساكنين.. قذائف تفت وتفتك وتحرق وتنسف الحي والجماد في غير شفقة.. وبدت عيون الحاج أيوب زائغة لا سكون فيها حين صعد ببصره في غير ذعر إلى السماء المشتعلة بفوهات البراكين، وراح بصره بعشوائية يتنقل بين الطائرات لينسفها، أو ربما ليثقبها ويصل إلى ما فوقها من فضاء رحيب، فبدا كأنما بطريقته الخاصة يحاور الطائرات في جنون وتحاوره.. ولما رآها كما هي كثيرة معربدة اشتعل قلبه الحزين بالحسرة والألم، فعاد ببصره ونزله بتؤدة إلى تحت.. وتطاير الغضب من بين جفونه الذابلة التي هدّل أطرافها قلة النوم، لكثرة ما تكدّس في قلبه من هموم وشجا، وقد تحول جسده لهول ما رأى إلى كتلة من جمر، حتى تراءى لحفيدته الغارقة في فزعها والتي رأته عبر سيول دموعها كأنه النار التي تحترق بالنار.. وعلى الفور تركته الصغيرة ونزلت مفزوعة تجري إلى الطابق السفلي.. وقد تحولت في لمح البصر إلى كتلة من خوف وهي تشرع فمها على آخره متفحمة في صراخ مستعر لا ينطفئ.

ابتعد الحاج أيوب بقلبه المشروخ عن الفتحة.. ومن بين الركام جذبته قدماه فاستدار مغيظا في حنق إلى طرف السلم.. يتأمل برهبة عجيبة هول ما شاهده، كأن عقله يأبى تصديق بشاعة ما رأته عيناه.. كيف سيقتنع بأن العينين التي شاهدت كلبا ضالا ينهش لحم طفلة صغيرة ميتة ويمضغه، هي نفسها عيناه الموج

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ساعة شهوة

كتبها مجدي السماك ، في 26 تشرين الثاني 2008 الساعة: 21:55 م

 ساعة شهوة

بقلم : مجدي السمّاك

  لهلبت الشمس وصار الجو يصهر الدهن في الأبدان، غير أن نسمات رشيقة فيها برودة هبت فحفت قميص عبد الجواد، ولفحت في طريقها وجهه المصّفّح الثري بالحشائش والأعشاب، وراحت بالمرة تداعب جسده الذي سخنه الجو لتبرده، فشعر ببدنه كأنه مدفون وسط شرائح رقيقة من ثلج، فانتعش.. ومن جلده الناشف تسللت برودة إلى جوفه الساخن فبرّدت قلبه.. لكن حلقه ظل يابسا عطشان.

راح عبد الجواد الجالس على حافة عربتة الكارو يدلدل ساقيه على آخر ما يكون الهدوء والانسجام، ويده ماسكة بالحبل الذي به يقود عربته بمهارة وخبرة سنين كثيرة مضت.. وعربته هذه يجرها حمار كان قد شراه في السنة التي فاتت، ورباه وكبره على يديه وسمّنه حتى لظلظ، وصار متينا لحمل الأثقال وقد انتفخت عضلاته وطلّزت. وإحساس رائع بالغبطة كان يموج في قلب عبد الجواد ويخلخله، وبعض هذه الغبطة تسربت صاعدة لتحوم في سواد عينيه المغطاة بشعر كثيف انسدل من حاجبين سميكين، فبرقت عيناه بشوق للنقود الكثيرة المرتقبة.. النقود التي سيكّحل عينيه برؤيتها ويقبضها بيده عندما يصل بالسلامة إلى وسط السوق، وينقل بعربته الصناديق التي اتفق بشأنها مع واحد من التجار الكبار.. وما اقل الفرص التي تقبض فيها يد عبد الجواد نقود كثيرة، ربما يجني هذه المرة  ما يكفي لشراء رطل سردينه كان قد وعد به زوجته وأولاده قبل أسبوع.

كان حمار عبد الجواد يجري بسرعة وبهمة يجر العربة، ولسرعتها أخذت تزيق برتابة وتهتز، فيهتز بدوره على نفس الرتابة هابطا صاعدا جسده الذي ليس له عرض، ولكنه فارع ورفيع مثل العلكة الممطوطة. وبدأ عبد الجواد يتمايل بسرور ويتأرجح حين وقف وانتصب في وسطها، وأطلق العقال لحنجرته بالغناء.. وما أدراك كيف يكون عبد الجواد إذا غنى بمزاج، فصوته يكون عذبا نقيا حين يغني وهو هادئ الذهن وباله فرحان. صار عبد الجواد لبهجته بلا وعي يلوّح بالكرباج ويمط صوته ويتلذذ منتشيا في مطه، فيضحك لغنائه المارون للحظات طويلات يزول فيها حزن الحصار الذي يطلي وجوههم ويعكر سمرة ملامحهم الكئيبة، فتشتعل وجوههم بالطرب الخلاب وتتلألأ عيونهم بدمع ضاحك، وآذانهم بشراهة تغب غناءه وتنتشي .. وبعضهم انفكت عقدة لسانه وراح بحبور يردد معه الغناء، فاتقدت عقيرة عبد الجواد أكثر فأكثر، واتسع فمه واتسع، ليعلي صوته ثانية إلى آخر درجة تسمح بها فكاه، راح يعليه بنشوة، وأخذ يلوي كفه ويلفه حول فمه المحشو بطرب بهيج، وببال طري صار عبد الجواد يلاعب حاجبيه الكثين للناس.. ويغدق عليهم ابتسامات تولد طازجة من فمه المملوء على آخره بسعادة عظمى.

أوقف عبد الجواد عربته وركنها قرب دكان عتيق صغير، وشمّر عن ساقين رفيعين كالكرباج الذي ألقاه بجواره على الأرض، قبل أن يطويه تحت إبطه بعد أن ربط الحمار بعمود قديم مكسور. ثم على مهله دخل في الدكان، وبشهوة نظر عبر جفنين متلهفين إلى المشروبات الباردة في الثلاجة، نظرة الواثق من دنياه وآخرته.. وبثبات امتدت يده وفتحت باب الثلاجة، وبنفس اليد الواثقة تناول زجاجة سفن أب وفتحها، ثم دلقها على نفس واحد في فمه الحار الذي ما زال فيه جفاف، فشعر بحرقتها اللذيذة تدغدغ حلقه، وبشدة تجشأ، فهبت من جوفه موجة غازات عاتية لسعت طاقتي انفه الضيقتين، فأثارت ما

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي