Normal
0
false
false
false
MicrosoftInternetExplorer4
/* Style Definitions */
table.MsoNormalTable
{mso-style-name:”جدول عادي”;
mso-tstyle-rowband-size:0;
mso-tstyle-colband-size:0;
mso-style-noshow:yes;
mso-style-parent:”";
mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt;
mso-para-margin:0cm;
mso-para-margin-bottom:.0001pt;
mso-pagination:widow-orphan;
font-size:10.0pt;
font-family:”Times New Roman”;
mso-ansi-language:#0400;
mso-fareast-language:#0400;
mso-bidi-language:#0400;}
سؤال في الليل
بقلم: مجدي السماك
القرية يلفها ظلام. الدنيا صقعت. الضوء الوحيد كان خافتا ينسل من نار ما فتئت تهس وسط دخان. فوق النار إبريق فيه شاي راح يئز. دخان رمادي ينتشر، فتحمّر له عيون رابضة في رؤوس بالتعب تنوء. أفواه سعلت، صدور خشخشت وإلى الأمام انحنت وتثاقلت وهي تميل. واستمرت النار تهس والإبريق يئز وينفث بخاره حتى انصب في أكواب، وكان يقرقر وهو ينصب. وساد صمت عصيب.
ثم في مجلسها راحت أجساد تتقلقل، وأفواه فغرت ونشطت فيها الألسنة ثم للكلام تأهبت. بعض ردّ ظهره إلى الحائط ومدّ ساقيه وتنهد وهو يمدها.. بعض ظل متربعا. أجساد ما زال فيها إعياء مزمن وشقاء عصي لا يفتر. وجوه نحيلة مكوية بالموت قد اختلط في سمرتها الدخان بالغبار والظلام فغمقت.. فبدت كأنما قطعت الظلام بظلام أغمق لا ينحسر. ارتفعت الأذرع لمّا الأكواب دارت وبكسل تناولتها الأكف، والأصابع حولها التفت.. ودارت معها كلمات عفوية نمت وترعرعت إلى تعليقات وهي تنساب شجية فيها دفء حزين من أفواه إلى آذان. وصار دفء بخار الشاي في الأكواب يلفح وجوههم وهم يرشفون ليغريهم ويمدهم بكلام أكثر، كلام حزين يتحرر من صدورهم ليذاع مقبوضا كصمتهم فيه قسوة حين يشيع. وواحد منهم كان جالسا بعيدا عن النار يلوذ بالصمت وبه يعتصم.. ويمص أصابعه التي لسعها الشاي وهو يحاول انتشال لقمة خبز سقطت في قاع الكوب. وأقربهم إلى النار كان يقلّبها بعود سميك، وظل مرة ينفخ ومرات يهف عليها بذيل سترته الطويلة الملطخة بالسخام، ويفرك عينين دامعتين من دخان غزير يتصاعد ويتلوى وهو يسيح في ثنايا ليل شجي. ثم يضيف بلا تذمر ما يلملمه من عيدان حطب إلى النار كي تكفي إلى آخر السهرة.
ولمّا الأكواب شربت، جرّ الكلام كلاما فدفقت تعقيبات راحت تتلى وعلت وهي تتوالى..
- الله يرحمك يا حاج كنعان.. ويجعل قبرك واسعا مثل ملعب كرة القدم.. ليس كثيرا عليه.
- كان رجلا أصيلا.. ربنا يجعل قبره مثل بركة السباحة.. فيه طراوة.. إنه يستحق كل خير.
- دنيا.. رحمة الله عليه.. كان شهما.. سوف يبيض وجوهنا بين جميع الأموات.
- الحاج كنعان مات يا أولاد.. الله يرحمه.. سوف يرفع رأسنا في القبر.
- ربنا يبحبح قبره.. ويرحمه.. كان شجاعا.. مهيب الجانب.
- لو أني اعرف أين قبره؟ سأرش عليه مياه معدنية أو حتى مفلترة.. ليس خسارة فيه.
وقطع التعقيبات أبو شعبان، الذي يسرح كل يوم في الأسواق ليبيع الصابون على عربة صغيرة، ثم في المساء يؤوب إلى بيته وقد فتّ جسده إرهاق ممض. انتفض أبو شعبان في الحال، وهاج كمن سكب عليه ماء مغليا وراح يغرق المكان بضجّة لم يكن يتوقعها أحد من الساهرين، وصار يلّوح بيدين مفلطحتين فيهما شقوق كل شق منها يكفي لابتلاع خيارة، وأوشك متن كفه أن يصفع وجه المتربع إلى جواره وهو يلوّح ويصيح..
- يا ناس حرام عليكم. الحاج كنعان لم يمت. اقسم برب الكعبة لم يمت. حدا منكم سمع عن جنازته أو مشى فيها؟. هذه إشاعات، والله العظيم إشاعات. عيب عليكم والله عيب. هذا لا يرضي ربنا ولا يرضي عبيده.
وأيده في كلامه واحد من الجالسين في الجهة المقابلة وهو أبو جميل العربجي حين سأل.. هوّ يا ناس في ميت بلا جنازة؟. وراح في الحال يسانده في سؤاله أبو محمود الشحاذ الذي كان أيام زمان يعمل مغنيا في الأفراح.. ولمّا الزمن عليه جار صار يقف طوال اليوم قرب السوق يمد يده ليستجدي المارة، وبسخاء يدعو لهم وللأغنياء منهم بكثرة المال ولا يدعو لنفسه ولا حتى بدرهم واحد.. جزم إنه ذهب إلى المقبرة ولم ير فيها أي قبر جديد.. إذن يا جماعة لا يوجد أي ميت طازج.. حد الله ما بيني وبينكم. لماذا لا تسألوا أبا صبري؟
وارتفع صوت خشن يشبه الطرق على برميل فارغ فيه بحة كئيبة، ليقول في سخرية لاذعة ويؤكد أن المرحوم مات ثم غير رأيه لأن القبر كان ضيقا، والمرحوم طوال حياته يحب البراح. ثم تابع في جد كبير كسا ملامح






















